ابن رشد
19
تلخيص كتاب الجدل
وربما استعمل ذلك إذا كان للشئ حد ، ولكل واحد من أجزائه حد ، فيستعمل حد كل واحد من أجزاء الحد مكان ما تدل عليه أسماؤها . وأما التعريف الذي فيه اسم بدل اسم ، وذلك إذا جهلنا أن دلالة الاسم الأول هي دلالة الاسم الثاني ، كقولنا : هل الجميل هو المؤثر ؟ فهو داخل بالجنس في باب الحد ، أعنى في مطلوبات الحدود . وكذلك الرسوم التي تستعمل على أنها شارحة لدلالة الاسم ، لا على أنها معرفة فيه معنى موجودا ، كقولنا : هل ما يدل عليه اسم الخلاء هو مكان لا متمكن فيه . وبالجملة : فالنوع من الطلب الذي يبحث فيه هل كذا هو كذا بعينه ، أو هو غيره ، هو داخل في هذا الطلب [ 1 ] . وإنما كان ذلك كذلك ، لأن الذي يثبت أن الشئ حد للشئ ، فقد أثبت قبل أنه هو هو [ 2 ] بعينه ؛ والذي يثبت أنه ليس هو هو وأنه غير ، فقد أبطل الحد . فلذلك كانت مواضع الهو هو والغير معدودة مع مواضع الحد . ومما يدلك على ذلك أن الجمهور يرون أن تبديل الاسم باسم أعرف منه هو الحد ، كما تجد المتكلمين يحدون العلم بأنه المعرفة . « 1 »
--> ( 1 ) أرسطو ، 1 ، 5 ، 101 ب 38 - 102 ا 17 : ت . ع . 243 ب 1 - 16 ، طبعة بدوي ، 474 - 475 : « فالحد هو القول الدال على ماهية الشئ . وقد يوصف أيضا بأنه قول مكان اسم ، أو قول مكان قول ، لأنه قد يمكننا أن نحد بعض الأشياء التي يستدل عليها بقول . . . فإن أكثر البحث أيضا إنما يكون في الحدود - - عن : هل الشئ واحد بعينه ، أو هو غير ؟ . . . غير أن المعنى الذي وصفنا الآن لا ينعكس ، لأنه ليس يكفى في تثبيت الحد أن نتبين أن الشئ بعينه فيه موجود . فأما في إبطاله فقد يكفى أن نبين أنه ليس فيه الشئ بعينه » . الفارابي ، الجدل ، مخطوط براتيسلافا ، ورقة 233 ب 14 - 234 ب 3 : « فالحد قول دال على معنى الشئ الذي به وجوده . وهذا المقدار من رسم الحد كاف هاهنا ، وشرح أمره على استقصاه فهو في كتاب البرهان . ومعنى الشئ الذي به وجوده هو من بين أوصاف الشئ ، أوصافه التي بها قوام ذاته ووجوده . ولم يقتصر فيه على أن قيل إنه قول دال على ما هو الشئ ، لأن حد الجنس إذا حمل على النوع كان قولا دالا على ما هو الشئ ، ولم يكن حدا لذلك الشئ . لأن حد الجنس أعم من النوع ، إذ كان يقوم مقام الجنس ، ولذلك زيد فيه . وقيل معناه الذي به وجوده ليستغرق ذلك جميع أوصافه التي بها وجوده وقوام ذاته . فلذلك يلزم أن يكون حد الشئ خاصا بالشيء ومنعكسا عليه في الحمل ، مميزا له له عن كل ما سواه ، ومعطيا لأسبابه التي بها قوام ذاته . فلذلك ينبغي أن تكون أجزاء حد الشئ أقدم من الشئ بالطبع ، وينبغي أن تكون أعرف من الشئ . وينبغي أن لا يكون فيه شئ زائد على ما به قوام ذاته . فإن كل ما زاد عليه ، فهو عرض فيه . والحد قد يكون لما يدل عليه اسم ، وقد يكون لما يدل عليه قول . فالذي يكون لما يدل عليه قول ، فمثل حد كسوف القمر أنه ظلام القمر لاستتاره بالأرض عن الشمس . وقد يؤخذ القول مكان الحد بأن تؤخذ حدود أجزاء الحد فيصير مجموعها دالا على ما يدل عليه مجموع أجزاء الحد ، مثل الحيوان الناطق ، فإنه قد يؤخذ مكانه : الجوهر المتنفس الحساس الذي له قوة يجوز بها العلوم والصنائع ويميز بها بين الجميل والقبيح في الأفعال . ويؤخذ الحد أيضا مكان الرسم ، والرسم قول ، فيكون الحد دالا على ما يدل عليه الرسم . فإذا كان كذلك ، فحد الشئ ورسمه يدلان على واحد بعينه . وكذلك حد الشئ والقول الدال عليه ، كان ذلك القول يقوم مقام الاسم فيما ليس اسم مفرد مثل الخط المستقيم ، والعدد الزوج ، أو كان ذلك مجموع حدود أجزاء الحد ، أو كان ذلك القول رسما . فإن الحد وذلك القول هما واحد بعينه في العدد ، إذ كانا يدلان على شئ واحد بعينه ، وتعريف الشئ باسم له آخر أعرف من الأول ليس بتحديد ، ولكنه يجرى مجرى التحديد ، وذلك أنهما يدلان على واحد بعينه في العدد » . ( 1 ) - الطلب : المطلب ل ( 2 ) - هو هو : هو ل